وماذا عن الغد؟

حسن ملاط
جوزف عبدالله
مقدمة
كانت عملية السابع من أوكتوبر من سنة 2023 ، والتي قام بها المقاومون الفلسطينيون، أحفاد آبائهم وأجدادهم الذين هجرتهم العصابات الصهيونية بمعاونة الجيش البريطاني الذي كان يحتل فلسطين، والتي تمثلت بتحرير مستعمرات غلاف غزة وأسر المقاتلين والمقاتلات من العصابات الصهيونية، كانت من نوعية
مختلفة عما قامت به المقاومة منذ انطلاقتها في 1965.
للمرة الأولى بعد هزيمة الأنظمة العربية في حزيران 1967، قام المقاومون باقتحام ما يسميه الاعلام أرض إسرائيل وليس في المناطق المحتلة بعد 1967.
كيف تم التعامل مع هذه القفزة النوعية في القتال ضد العدو الصهيوني؟
قبل تحديد كيفية تعامل الأطراف الرئيسية مع هذا الحدث، دعونا نبدأ من القاعدة التي لا يمكن تجاوزها في الممارسة السياسية، مع التأكيد أن الحرب هي عمل سياسي عنيف، نعني تحديد العدو.
تحديد العدو
جميع المجتمعات، من دون أي استثناء، تعاني من الكثير من التناقضات، سواء في الداخل أو مع الخارج.
ولكن هذه التناقضات تختلف فيما بينها من حيث تأثيرها على حركة المجتمع. لذلك لجأ المثقفون الى تصنيف هذه التناقضات ما بين أساسي وثانوي ورئيسي… وحددوا كيفية التعامل مع هذه التناقضات حتى لا يؤثر التعامل الخاطىء معها الى مشاكل اجتماعية تؤذي الأكثرية الساحقة من السكان.
من هنا وجوب تحديد التناقضات القائمة وتصنيف أيها الأساسي، الرئيسي والثانوي.
منذ نشوء الكيان الصهيوني، لم تتمكن المجتمعات العربية من تطوير أساليب عيشها بسبب المعوقات التي وضعها الكيان الصهيوني وحلفاءه من الدول الاستعمارية، وعلى رأسهم أمريكا وحلفائها من الدول الغربية.
هذا لا يعني أن أنظمة الدول العربية كانت على استعداد للقيام بذلك، ولكن يعني أن هذه لم تحضر نفسها وشعبها على أن تخوض معركة التحرر وعدم التبعية.
من هنا نرى بأن التناقض الأساسي والرئيسي في مرحلتنا الراهنة هي مع العدو الصهيوني. وهذا يعني أن حل هذا التناقض هو شرط ضروري لحل جميع التناقضات الأخرى. كما ويعني أيضاً ضرورة التنبه الى ممارسة الأنظمة في هذا المجال. فاذا كانت تهمل تأمين مستلزمات مجابهة هذا العدو ومقاومته وازالته، فهذا يعني عدم تمكنها من حل التناقضات الثانوية والتي ستصبح رئيسية مما يضع خللاً في تطور المجتمع ويؤدي الى تخلفه. كما ويؤدي أيضاً الى عدم تمكنه من القيام بمهمة التخلص من العدو حتى يستمر تطور المجتمع المحلي بالاتجاه الصحيح الذي يؤمن الحياة الكريمة لجميع أفراده.
جميع المجتمعات العربية تتعامل مع التناقض مع العدو الصهيوني على أنه ثانوي، باستثناء قطاع غزة والضفة الغربية من فلسطين ومجموعات المقاومات.
الإقليم وعملية السابع من أوكتوبر وتطوراتها
الدول العربية
تعاملت هذه الدول مع حرب الإبادة التي يشنها الكيان الصهيوني على أهلنا في غزة والضفة الغربية بعدم اهتمام. لذلك لم نر مسارعتها في الضغط من أجل تأمين مستلزمات الحياة لأهلنا في غزة، لا بل على العكس من ذلك، رشح في الاعلام أن قوافل التموين للصهاينة تبدأ من الامارات مروراً بالسعودية والأردن الى العدو الصهيوني، في الوقت الذي يعاني فيه أهل غزة من الجوع والعطش والأمراض.
وفي الدلالة على مساهمة الأنظمة في مساندة أمريكا، لم نر تحركات شعبية في هذه الدول تأييداً لغزة والضفة والمقاومة في جنوب لبنان، باستثناء بعض المظاهرات في المغرب التي يقيم نظامها علاقات عسكرية مع الكيان الصهيوني، واليمن التي تساند فلسطين باعاقة استخدام العدو للبحر الأحمر.
تركيا، تكاد تكون محايدة، عملياً، في حرب إبادة الكيان الصهيوني للفلسطينيين.
ايران، تساعد الفلسطينيين بالمال والسلاح. ولكنها لا تعتبر الكيان الصهيوني عدوها الرئيسي، لذلك لم نرها ترد رداً فاعلاً على الاعتداءات الصهيونية عليها وعلى قواتها، سواء داخل ايران أو في الدول التي تتواجد فيها قواتها مثل سورية على الأخص.
الكيان الصهيوني يعتدي عليها وعلى ميليشياتها في مختلف أنحاء سورية، وهي تستمر بمعركتها بمساندة النظام السوري ومحاربة أعدائه بالإضافة الى المهمة التبشيرية التي تعمق الانقسامات الطائفية والمذهبية في الإقليم والتي تخدم نظرية حلف الأقليات التي يعمل عليها الغرب والكيان الصهيوني.
تركيا وايران لا يمكنهما أن ينجحا في مواجهة التطهير العرقي أو المذهبي والطائفي، حيث أن تناقضهما الرئيسي والأساسي هو مع النظام النيوليبيرالي المعولم وقاعدته في المنطقة هي الكيان الصهيوني. وطالما لا تخدم حركتهما حل هذا التناقض فلن يتمكنا من تطوير مجتمعاتهما بالاتجاه الذي يؤمن الاستقرار والهناء لشعوبهما.
الغرب يساند الكيان الصهيوني بأساطيله وأسلحته وأمواله، ويعتبر أن الحرب ضد المقاومات هي حرب مصيرية بالنسبة له.
أما الصين وروسيا فتكاد تكونان محايدتان في حرب الكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني. وهذا الموقف يخدم العدو الصهيوني لأن استمرار العلاقات يؤمن له الاستمرار بتطوير نفسه تكنولوجياً وهو المجال الأساسي في تعامله مع الصين.
لبنان
هوالدولة الوحيدة التي يقوم جزء من شعبها بمساندة المقاومة الفلسطينية. مع ملاحظة أن رفع الحزب لشعار مساندة غزة فقط، يوحي وكأن التناقض الرئيسي للبنان ليس مع العدو الصهيوني. هذا مع العلم أن الكيان الصهيوني لا يزال يحتل 14 قرية لبنانية بحسب ترسيم الحدود التي قامت به الدولتان المستعمرتان لفلسطين ولبنان، نعني بريطانيا وفرنسا.
ما العمل؟
يبدو أن شعوب الغرب الرأسمالي شعرت بما يمثله انتصار الكيان الصهيوني على الشعب الفلسطيني ومنه على شعوب الإقليم، من خطر على مكاسب هذه الشعوب من النظام النيوليبيرالي المعولم، لذلك رأيناها انطلقت في مظاهرات حاشدة استنكاراً للعدوان واستنكاراً لتأييد أنظمتها له. أما الخطر الفعلي على شعوبنا لم يحرك شعوب منطقتنا وركنت لما ترسمه لها أنظمتها من إماتة لمشاعرها ازاء اهلنا الذين يموتون في
فلسطين ولبنان.
حتى في لبنان، تمكنت الطبقة المسيطرة من اسكات أي اعتراض ضمني على ما يحصل في فلسطين. ولا يبدو أن أي طرف من أطراف الطبقة السياسية على استعداد لتغيير هذا النهج.
وماذا عن الشعب ومنظماته وأحزابه؟
يبدو أنها تقبل بما هو مرسوم لها.
هل يمكن أن يستمر شعبنا بالسكوت على هذه المجازر مع أن شعوبنا تنتظر دورها مما تخططه لها الدول الاستعمارية الغربية وعلى رأسها أمريكا.
اولاً
على الشعب الفلسطيني إعادة انتاج أداته السياسية، نعني منظمة التحرير كممثل وحيد للشعب الفلسطيني، وذلك بإعادة هيكلتها لتضم كافة حركات المقاومة، بحيث تمثل الأداة التي تعمل على تحقيق أماني هذا الشعب وإقامة دولته على كامل التراب الفلسطيني.
ثانياً
لا بد من مواكبة حركة المقاومة في غزة والضفة بتحركات تعين هذه المقاومة على الصمود وتحقيق أهدافها المرحلية.
ثالثاً
جميع الشعوب العربية وشعوب الإقليم معنية بما يجري في غزة والضفة، فلا بد لها من التحرك استنكاراً للعدوان المستمر وتأييداً لمن يجابه هذا العدوان.
القلمون في 11 أيلول/سبتمبر/ 2024