
طرابلس: فسيفساءٌ ثقافيةٌ تُناشدُ الوحدة
تتوارى طرابلس خلفَ أسوارِ تاريخِها العريق
لكنَّها تكشفُ بينَ دروبِها عن طاقاتٍ كامنةٍ وإمكانياتٍ جمةٍ إنَّها مدينةٌ زاخرةٌ بالشبابِ المُتفوقِ والمؤسساتِ الثقافيةِ الفاعلةِ والجمعياتِ النشطةِ غيرَ أنّ هذهِ الطاقاتِ القيّمةِ تُعاني من معضلةٍ جوهريةٍ تُعيقُ مسيرتَها وتُكبِّدُ المدينة خسائرَ جمةً.
يكمنُ المشكل في غيابِ التنسيقِ بينَ المؤسساتِ والجمعياتِ والمنتدياتِ الثقافيةِ والأدبيةِ إذ يعملُ الجميعُ بشكلٍ مُنفردٍ وكأنَّ كلَّ جهةٍ تُبحرُ في جزيرةٍ مُنعزلةٍ لا يربطُها بالآخرينَ إلَّا خيطٌ رفيعٌ من التواصلِ.
ويؤدي هذا الوضعُ إلى تشتتِ الجهودِ وضياعِ الطاقاتِ ويُعطّلُ نجاحَ العديدِ من النشاطاتِ التي تُقامُ في المدينةِ.
وبدلًا من أن تتكاملَ هذهِ المؤسساتُ وتتعاونَ معًا نراها تتنافسُ وكأنَّها في معركةٍ لا يُريدُ أحدٌ أن يُقِرَّ بالآخرِ ويُؤثرُ هذا التنافسُ سلبًا على المدينةِ وأهلِها الذين ينقسمونَ ولا يستطيعونَ تلبيةَ هذهِ النشاطاتِ المتفرقةِ التي تُقامُ في أوقاتٍ متقاربةٍ وكأنَّها تُقامُ لإثباتِ الوجودِ لا لخدمةِ المجتمعِ.
فلو أنَّ هذهِ المؤسساتِ اتفقتْ على تشكيلِ لجنةٍ خاصةٍ للتنسيقِ بينها لكانَ ذلكَ خيرًا لها وللمدينةِ.
فهذهِ اللجنةُ تستطيعُ أن تُنظمَ النشاطاتِ وتُنسقَ بينها بحيثُ لا تتعارضُ ولا تتكررُ وتُوجّهُ الجهودَ والطاقاتِ نحو الأهدافِ المشتركةِ التي تصبُّ في مصلحةِ الجميعِ.
طرابلس، المدينةُ التي يجمعُ أهلَها تاريخٌ مشتركٌ وعلاقاتُ قرابةٍ وصداقةٍ تستحقُّ أن يكونَ لها قلبٌ واحدٌ وأن تعملَ كوحدةٍ واحدةٍ..
فلنتركْ خلافاتِنا جانبًا ولنتعاونْ من أجلِ خدمةِ مدينتِنا ولنُعليَ صوتَ العقلِ والحكمةِ ولنُدركَ أنَّنا جميعًا شركاءُ في هذا الوطنِ وأنَّ مستقبلَنا واحدٌ.
فلنُبادرْ إلى ردمِ الهُوّةِ ولنُحيي روحَ التعاونِ والتكاتفِ ولنجعلْ من طرابلسَ مدينةً نموذجيةً في التنسيقِ والتكاملِ كما فعلتْ مدنٌ أخرى حولَ العالمِ، استطاعتْ أن تُحققَ نجاحاتٍ باهرةً بفضلِ وحدتِها وتعاونِها.
فها هي سنغافورة تُعتبرُ نموذجًا يُحتذى بهِ في التنسيقِ والتكاملِ بينَ مؤسساتِ المجتمعِ المدنيِّ. فالحكومةُ تُشجعُ على إنشاءِ لجانٍ مشتركةٍ بينَ هذهِ المؤسساتِ، وتُقدِّمُ لها الدعمَ الماديَّ والمعنويَّ. وفي اليابان يُولي المجتمعُ اليابانيُّ أهميةً كبيرةً للتنسيقِ والتعاونِ بينَ مختلفِ الجهاتِ الفاعلةِ. وهذا الأمرُ يتجلَّى في العديدِ منَ المبادراتِ التي تُقامُ في مختلفِ المجالاتِ. كما تُعرفُ ألمانيا بنظامِها الفعالِ في التنسيقِ بينَ المؤسساتِ الحكوميةِ وغيرِ الحكوميةِ. وهذا النظامُ يُساهمُ في تحقيقِ التنميةِ في البلادِ.
لماذا لا نكون مثل هذه الدول ونُترجم هذا الوعي الثقافي الصحي في لبنان؟ لماذا لا تكون مدينة طرابلس وكل المدن اللبنانية مثالًا يُحتذى به في التنسيق والتكامل الثقافي؟
إنّ التنسيق هو سر النجاح، وأعتقد أنه حان الوقت لطرابلس أن تتوحد وتُبادر إلى إزالة الفجوات بين مؤسساتها الثقافية، لتعزز مكانتها كأيقونة للإبداع والتعاون.
فلنُعلنها طرابلس موحدة.