خاص الفجر الجديد

التحرش الإلكتروني في لبنان: دليلك الشامل للمعرفة، الحماية، والمواجهة

بقلم المحامي د. داني جعجع 

القسم 1: الخطر الخفي: فهم التحرش الإلكتروني في لبنان اليوم

مقدمة: قصة خلف الشاشة

تبدأ الحكاية برسالة على الهاتف: تهديدٌ بنشر صورٍ خاصة بعد انتهاء علاقة، أو تعليقات مسيئة على رأيٍ سياسي، أو حسابٌ وهمي يطلق حملة تشهير منظّمة. بالنسبة للضحية، ليست هذه “كلمات على شاشة” بل بداية قلقٍ وعزلة وخسائر اجتماعية ومهنية. ومع الانتشار الواسع للاتصال الرقمي في لبنان، تتكرّر هذه الأنماط بوتيرة مقلقة. وقد سُجِّلت عالميًا حالات انتحار مرتبطة بالابتزاز الجنسي الرقمي، ما يبرهن أنّ الخطر الرقمي قد ينعكس تهديدًا حقيقيًا للحياة، حتى لو اختلفت السياقات القانونية محليًا من بلدٍ إلى آخر.

تعريف التحرّش الإلكتروني

التحرّش الإلكتروني وهو نوع من “الاعتداء الرقمي” هو طيف من الأفعال الجرمية والمتعدّية على الحقوق، بعضها مذكور صراحة في القوانين اللبنانية وبعضها يُلاحق بغطاء نصوص عامة:

• الابتزاز الجنسي: تهديد الضحية بفضح صور، مقاطع حميمية للحصول على منافع غير مشروعة أو لإرغامها على سلوك معيّن. يطبّق عليه جرم الابتزاز في قانون العقوبات، كما تُطبّق جرائم الدخول غير المشروع إلى الأنظمة ومعالجة البيانات بلا مسوّغ عند الاختراق أو الاستيلاء على المحتوى

– التهديد والترهيب: مراسلات متكرّرة تتضمّن تهديدًا بإيذاء جسدي أو بفضح معلومات شخصية لإسكات الضحية أو حملها على فعلٍ ما. يندرج التهديد تحت مواد قانون العقوبات، ويصل التكييف إلى الابتزاز إن اقترن بطلب منفعة غير مشروعة .

– التشهير والقدح والذم: نشر مزاعم كاذبة أو محتوى مفبرك ينال من السمعة. يجرّمه قانون العقوبات اللبناني ويعالجه أيضًا قانون المطبوعات عند النشر العلني.

– المطاردة الإلكترونية: مراقبة لصيقة وغير مرغوبة واتصالات متكرّرة تُثير الخوف. يُلاحق غالبًا بغطاء التهديد أو الابتزاز أو انتهاك البيانات بحسب الوقائع .

– خطاب الكراهية والمضايقات المنهجيّة: حملات منظّمة تستهدف أفرادًا بسبب جنسهم أو آرائهم. قد تتقاطع مع القدح و الذم أو التحريض، ويُنظر فيها وفق النصوص الجزائية العامة ومعايير حرية التعبير.

– انتحال الشخصية وسرقة الحسابات: اختراق أو استيلاء على حسابات ونشر محتوى باسم الضحية أو استعمال هويتها في احتيال. يجرّمه قانون 81/2018 عبر نصوص الدخول غير المشروع والمساس بسلامة البيانات/الأنظمة والأدوات المخصّصة للاختراق.

القسم 2: اعرف حقوقك بموجب القانون اللبناني

القانون اللبناني يوفّر أدوات متكاملة لمواجهة التحرّش الإلكتروني، تجمع بين قانون 205/2020، وقانون 81/2018، وقانون العقوبات.

حجر الزاوية: قانون 205/2020 لتجريم التحرّش الجنسي

• النطاق: يشمل الأفعال المرتكبة بأي وسيلة بأي وسيلة بما فيها الوسائل الإلكترونية.

• التعريف: عرفت المادة الأولى من القانون رقم 205/2020 لتحرش الجنسي بأنه ” أي سلوك سيء متكرر خارج عن الـمألوف، غير مرغوب فيه من الضحية، ذي مدلول جنسي يشكّل انتهاكاً للجسد أو للخصوصية أو للـمشاعر يقع على الضحيّة في أي مكانٍ وُجِدَت، عبر أقوال أو أفعال أو إشارات أو إيحاءات أو تلـميحات جنسية أو إباحية وبأي وسيلة تمّ التحرّش بما في ذلك الوسائل الإلكترونية.

يعتبَر أيضاً تحرشاً جنسياً كلّ فعل أو مسعى ولو كان غير متكرر يستخدم أي نوع من الضغط النفسي أو الـمعنوي أو الـمادي أو العنصري يهدف فعلياً للحصول على منفعة ذات طبيعة جنسية يستفيد منها الفاعل أو الغير.”

• العقوبات:

o الأساس: حبس من شهر إلى سنة وغرامة ثلاثة اضعاف الى عشرة اضعاف الأدنى للأجور.

o مشدّدة: إذا وقع التحرّش في علاقة عمل أو إحدى الإدارات الرسمية أو العسكرية أو الـمؤسسات العامة أو البلديات أو الجامعات أو الـمدارس أو الحضانات أو الـمعاهد أو الأندية أو وسائل النقل أو إذا كان لـمتحرش موظفاً وتعسّف باستعمال السلطة التي يتمتّع بها… إلخ: ستة أشهر إلى سنتين وبغرامة من عشرة أضعاف إلى عشرين ضعف الحد الادنى الرسمي للأجور

o مشدّدة جدًا: إذا كانت الضحية حدثًا أو من ذوي الاحتياجات الإضافية أو تحت سلطة الجاني أو إذا ارتكب فعل التحرش شخصان أو أكثر.… إلخ: سنتين إلى اربع سنوات وبغرامة تتراوح من ثلاثين إلى خمسين ضعف الحد الادنى الرسمي للأجور

• الحماية من الانتقام: يجرّم أي تمييز أو مساس بالحقوق ضد المبلّغين والشهود. عقوبة شهر الى ستة اشهر وبغرامة تتراوح بين خمسة اضعاف وعشرين ضعف الحد الادنى الرسمي للأجور.

حماية البيانات والأدلة: قانون 81/2018

• حماية البيانات الشخصية: يقرّر قواعد المعالجة والحقوق على البيانات (الاطلاع، الاعتراض، التصحيح) ويُرتّب جزاءات جزائية على المخالفات.

• حجّية الدليل الرقمي: يساوي الكتابة والتوقيع الإلكترونيين بالورقيين ويقرّ قبول المستند الإلكتروني كدليل متى أمكن تحديد المُصدِر وضمان سلامة الحفظ.

• توسيع العلانية وسّع قانون 81/2018 مفهوم وسائل النشر ليشمل الوسائل الإلكترونية.

تطبيق قانون العقوبات على التحرش الالكتروني

قبل صدور القوانين المتخصصة، كان القضاء اللبناني يستخدم، ولا يزال، مواد من قانون العقوبات العام لملاحقة الجرائم الإلكترونية. هذه المواد لا تزال فعالة جداً في التعامل مع أشكال التحرش غير الجنسية:

● الذم (المادة 582): وهو نسبة أمر معين لشخص ما (حتى لو على سبيل الشك) يمس بشرفه أو كرامته. نشر اتهام كاذب بالسرقة على فيسبوك، على سبيل المثال، يقع تحت طائلة هذه المادة.

● القدح (المادة 584): وهو كل لفظ ازدراء أو سباب لا يتضمن نسبة فعل معين. الشتائم والسباب على مواقع التواصل الاجتماعي هي مثال واضح على القدح.

● التهديد (المادة 573 وما يليها): يعاقب القانون كل من يهدد شخصاً بارتكاب جناية ضد نفسه أو ماله. رسائل التهديد بالقتل أو الأذى التي تصل عبر الإنترنت تندرج مباشرة تحت هذه المواد.8

● الابتزاز (المادة 650 ) ويُعاقب القانون كلُّ من يهدّد شخصًا بفضح أمرٍ أو إفشائه أو الإخبار عنه بما ينال من قدره أو شرفه، أو من قدر أحد أقاربه أو شرفه، لحمله على جلب منفعةٍ غير مشروعة له أو لغيره.

لتطبيق هذه المواد، يشترط القانون تحقق ركن “العلانية”، والذي تعرّفه المادة 209 بأنه أي فعل يتم بوسائل النشر. ويعتبر النشر على منصات التواصل الاجتماعي المفتوحة للعامة محققاً لشرط العلانية.

إن هذا المزيج القانوني يعني أن ضحية لحملة تحرش واحدة قد تكون محمية بموجب ثلاثة قوانين في آن واحد: قانون التحرش الجنسي إذا كانت هناك إيحاءات جنسية، وقانون العقوبات إذا كان هناك ذم وقدح وتهديد او أي جرم اخر منصوص عليه في هذا القانون، وقانون المعاملات الإلكترونية إذا تم انتهاك خصوصية بياناتها. هذه القوة القانونية تتطلب معرفة دقيقة لكيفية استخدامها، مما يجعل الاستشارة القانونية أمراً ضرورياً.

القسم 3: دليل عملي للمعتدى عليهم

عند الوقوع ضحية للتحرش الإلكتروني، قد يشعر الشخص بالعجز والشلل. لكن اتخاذ خطوات سريعة ومدروسة يمكن أن يغير مسار الأحداث ويعيد لك السيطرة. هذا الدليل مصمم ليكون خارطة طريق واضحة في لحظات الأزمة.

الخطوة 1: عدم الخضوع

في اللحظات الأولى بعد التعرض للتحرش، تصرفاتك حاسمة. اتبع هذه القواعد الأربع بشكل فوري:

1. لا تتفاعل: القاعدة الأهم على الإطلاق هي عدم الرد على المتحرش أو الدخول في جدال معه. أي تفاعل، حتى لو كان دفاعياً، يغذي سلوكه ويزيد من تصعيده.

2. لا تدفع: إذا كان التحرش يتضمن ابتزازاً مالياً، إياك أن تدفع أي مبلغ. الاستجابة للمطالب المالية لن توقف الابتزاز، بل ستفتح الباب لمزيد من المطالب وتؤكد للمبتز أنك ضحية سهلة.

3. لا تحذف: قد تكون غريزتك الأولى هي حذف الرسائل أو التعليقات المسيئة للتخلص منها. قاوم هذه الرغبة. هذه الرسائل هي دليل إدانتك للمتحرش. حذفها يعني تدمير الأدلة التي تحتاجها لمقاضاته.

4. احظر وأبلغ: استخدم الأدوات المتاحة على المنصة نفسها. قم بحظر (Block) حساب المتحرش لمنعه من التواصل معك مجدداً، ثم استخدم خاصية الإبلاغ (Report) لإعلام إدارة المنصة عن المحتوى المسيء.

الخطوة 2: حفظ الدليل الرقمي

الدليل الرقمي هو حجر الأساس في أي شكوى رسمية. بدونه، يصبح من الصعب جداً إثبات الجريمة. جمع الأدلة بشكل صحيح ومنهجي هو أقوى خطوة يمكنك اتخاذها.

● كيفية التوثيق:

○ لقطات الشاشة: Screenshots)) التقط صور شاشة واضحة لكل شيء: الرسائل، التعليقات، المنشورات، وصفحة الملف الشخصي (Profile) للمتحرش. تأكد من أن لقطة الشاشة تظهر التاريخ، والوقت، واسم المستخدم، وفي حال كنت تستخدم متصفح ويب، حاول أن يظهر عنوان الموقع (URL) أيضاً.

○ تسجيل الشاشة: (Screen Recording) إذا كان التحرش يحدث عبر محتوى يختفي (مثل قصص إنستغرام أو سناب شات) أو عبر الفيديو، استخدم خاصية تسجيل الشاشة في هاتفك لتوثيقه.

○ حفظ الملفات: قم بحفظ أي صور أو مقاطع فيديو أرسلها المتحرش مباشرة على جهازك، واحتفظ بنسخة احتياطية في مكان آمن (مثل قرص تخزين خارجي أو خدمة تخزين سحابي).

○ إنشاء سجل زمني: احتفظ بملف مكتوب تسجل فيه كل حادثة: تاريخها، وقتها، المنصة التي وقعت عليها، ووصف موجز لما حدث. هذا السجل يساعد في تنظيم الأدلة وتقديم وقائع اكيدة للجهات القضائية.

من الضروري الحفاظ على هذه الأدلة في شكلها الأصلي وعدم التعديل عليها لضمان قبولها قانونياً.

الخطوة 3: تقديم شكوى رسمية – التنقل داخل النظام

أين وكيف تُقدِّم الشكوى في جرائم الابتزاز والتحرّش الإلكتروني؟

النيابة العامة الاستئنافية المختصّة مكانيًا هي مدخل الشكوى، وتُجري الضابطة العدلية التحقيق بإشارتها ومنها مكتب مكافحة جرائم المعلوماتية

كما يمكن التواصل مباشرة مع المكتب عبر الرقم المباشر لمكتب مكافحة جرائم المعلوماتية هو 01/293293 لطلب المساعدة والإبلاغ عن جريمة.

الموقع الإلكتروني: يمكن أيضاً استخدام خدمة “بلّغ” على الموقع الرسمي للمديرية العامة لقوى الأمن الداخلي (isf.gov.lb) لتقديم بلاغ إلكتروني.

ماذا تتوقع؟ يعمل المكتب تحت إشراف النيابة العامة، ومهمته الأساسية هي التحقيق التقني في الجرائم الإلكترونية وتحديد هوية الفاعلين في حين يقوم القضاء باتخاذ القرارات القضائية بحق المعتدين وفق القوانين المعمول بها.

القسم 4: من الدفاع إلى الوقاية

أفضل طريقة للتعامل مع التحرش الإلكتروني هي منعه من الحدوث في المقام الأول. تبني عادات رقمية آمنة يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الوقوع ضحية. إليك مجموعة من النصائح العملية المستقاة من إرشادات قوى الأمن الداخلي وممارسات السلامة الرقمية العالمية.

● حصّن حساباتك:

استخدم كلمات مرور طويلة ومعقدة وفريدة لكل حساب (مزيج من الأحرف الكبيرة والصغيرة والأرقام والرموز).

فعّل خاصية “المصادقة الثنائية” (Two-Factor Authentication) على جميع حساباتك. هذه الخاصية تضيف طبقة حماية إضافية تتطلب رمزاً من هاتفك لتسجيل الدخول.

● أحم خصوصيتك:

○ راجع بانتظام إعدادات الخصوصية على حساباتك في وسائل التواصل الاجتماعي. حدد من يمكنه رؤية منشوراتك، معلوماتك الشخصية، وقائمة أصدقائك.

○ فكّر ملياً قبل نشر أي معلومات شخصية حساسة مثل صور خاصة، رقم هاتفك، عنوان منزلك، أو تفاصيل عن روتينك اليومي.

● كن حذراً:

○ لا تقبل طلبات صداقة من أشخاص لا تعرفهم.

○ لا تضغط على روابط مشبوهة أو تقوم بتنزيل ملفات من مصادر غير موثوقة، فقد تحتوي على برامج خبيثة.

○ تجنب حفظ صور أو معلومات حساسة جداً على أجهزتك المتصلة بالإنترنت.

مسؤولية جماعية: أبعد من الفرد

في نهاية المطاف، مكافحة التحرش الإلكتروني ليست مجرد مسؤولية فردية، بل هي قضية مجتمعية تتطلب تضافر الجهود. فالأمر يتجاوز مجرد حماية الضحية ليصل إلى تغيير الثقافة التي تسمح للمعتدي بالتمادي.

لذلك، فإن مواجهة التحرش الإلكتروني ليست مجرد جريمة يجب معاقبتها، بل هي معركة للحفاظ على فضاء رقمي صحي وآمن للجميع. وهذا يتطلب دوراً فاعلاً من المؤسسات التعليمية، والإعلام، وقادة المجتمع، لترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل والمساءلة في العالم الرقمي، تماماً كما نطالب بها في عالمنا الواقعي.

حمل تطبيق الفجر الجديد
زر الذهاب إلى الأعلى