المنهج الخفي والمواطنة المخطوفة في لبنان

بقلم : د.دوللي الصراف
تضع الدول المناهج التعليمية وفق فلسفة تستند على تحقيق التنمية وضمان تطور ورقي المجتمع، وتعدلّها عند الحاجة لتتناسب مع متطلبات الحياة الجديدة، ومواكبة التحولات الثقافية والاجتماعية للمجتمع، فالمدرسة هي الفضاء التربوي والتعليمي الذي يسهم في تلقي المتعلمين المعارف والقيم والمهارات وغيرها من المكتسبات، التي تخرّج نخبة وقيادات المجتمع. غير أن البحث عن أسباب الإخفاقات التربوية وفشل المناهج التعليمية في تحقيق أهدافها، يقودنا الى البحث عن المنهج الخفي الذي يشكل إطاراً تفسيرياً هاماً في فهم جوانب الغموض التي تلّف العملية التعليمية.
يلعب المنهج الخفي دوراً قوياً في إعداد الطلاب، وتشكيل شخصياتهم، وتربيتهم اجتماعياً ودينياً وسياسياً وثقافياً، لأنه وبخلاف المنهج الرسمي، يستمد قوته من الممارسة السلوكية للطالب مع مختلف الفئات الاجتماعية التي يتفاعل معها كالأهل والأصدقاء والمعلمين…الخ.
لقد ظهر مفهوم المنهج الخفي (Hidden Curriculum) على يد الباحث الأمريكي فيليب جاكسون في عام 1968، بعد أن مهدت لذلك أفكار دوركهايم عن الفلسفات التربوية المضمرة في الحياة التربوية ومضامين الرسائل الصامتة الخفية للمدرسة. وقد عرّف جاكسون في كتابه “الحياة في الفصل الدراسي” المنهج الخفي بأنه “التحصيل المدرسي الثاني بعد التحصيل الأكاديمي، الذي يضم كافة الخبرات والمعارف والأنشطة التي يقوم بها التلاميذ أو يتعلمونها خارج المنهج المقرر.”[1]
يميز الباحثون في التربية والتعليم بين منظومتين من الأهداف التربوية العامة في السياسات التربوية: “فهناك أهداف رسمية معلنة، وهناك أهداف خفيّة مضمرة”[2] ؛ وتتمثل الأهداف الصريحة بقضايا إعداد الإنسان المواطن، المدافع عن وطنه، والذي يملك القيم الإنسانية والأخلاقية، وغيرها ذلك من الأهداف المعلنة التي تشكل ركيزة الأنظمة التربوية والتعليمية.
ولكن الأهداف التربوية المضمرة والخفية غالباً ما توضع لخدمة النظام السياسي والاجتماعي القائم، حيث تكمن وظيفتها في الحفاظ على ما يسمى بالاستقرار الاجتماعي، و”الضبط
الأخلاقي والهيمنة الأيديولوجية وبث القيم الطبقية وغرس الطاعة والانضباط في نفوس المتعلمين والدارسين”[1].
إذاً، تعمل الأهداف الخفية على خدمة الطبقة التي تسود وتهيمين في المجتمع، فتقوم المدرسة بممارسة نوعاً من التطبيع الثقافي، الذي يكرس ويرسخ ثقافة الطبقة الحاكمة، ويرى بيير بورديو Pierre Bourdieu في هذا السياق أن النظام التعليمي أو التربوي يهدف “إلى إنتاج أو إعادة إنتاج مظاهر الهيمنة الطبقية الموجودة، بشكل يبرز معه نوع حقيقي وخفي من المناهج، والذي تؤدي المدرسة من خلاله وظيفة المحافظة على الأوضاع الراهنة”[2].
من هنا، نستطيع القول أن ما يتعلمه الطالب في المدرسة لا يرتبط بالضرورة بالمناهج الرسمية، بل يرتبط بمضامين المنهج الخفي الذي يروض الطلاب ويغرس فيهم القيم التي تعيد إنتاج نفس الواقع الذي يخدم مصالح الطبقة السياسية المسيطرة. وتتجلى معالم المنهج الخفي في الأمثلة التالية:
· ” توظيف الرموز في تمجيد سلطة الحاكم من خلال الصور أو الاستشهادات أو الخطب المدرسية.
· فرض وترسيخ نمط علاقة الخضوع الهرمي بين الإدارة والمعلم والمتعلم.
· توظيف ترسانة من القوانين والإجراءات الإدارية بهدف وأد كل قيم النقد والاعتراض والثورة.
· اعتماد طرق تدريس وبيداغوجيات تساهم في طمس التفكير النقدي والإبداع الفكري.
· تجاهل الثقافة المحلية واعتماد أخرى أجنبية خصوصا في مناهج المدارس الخاصة.
· اعتماد لغات تدريس على أساس إديولوجي أو بناء على التبعية الاقتصادية المهَيمِنة.”[3]
ويلعب المعلم بحكم دوره في العملية التعليمية، دوراً رئيسياً في الالتفاف على المنهج الخفي، أو ترسيخه، أو في ممارسة نوع من الحياد السلبي أو الإيجابي، بشكل مقصود أو غير مقصود. فالمعلم هو مسؤوؤل عن تمرير ما يريد لعقل الطالب، بحسب خلفيته السياسية والثقافية والإيديولوجية، ومدى التزامه بالمذكرات الرسمية والقرارات والتوجيهات الصادرة عن وزارة التربية والتعليم. يؤثر المعلم بشكل كبير على الطلاب
لاسيما الأطفال منهم، فهو نموذج يهتدون به ويقلدونه ويستنبطون من شخصيته الكثير من عاداتهم واتجاهاتهم وقيمهم ويعكسونها في سلوكهم بطريقة شعورية أو لا شعورية.
إن مقاربة المنهج الخفي في الواقع اللبناني يفضي بنا دون أدنى شك الى عدد من الإشكاليات التي تبحث عن دور المدرسة في بناء المواطن المعتز بوطنه والمؤمن بمفهوم المواطنة بما يتناسب مع أهداف المناهج التعليمية الجديدة التي طُبقت في العام 1997 ضمن خطة النهوض التربوي التي أقرها مجلس الوزراء عامي1994 و1995، والتي تتوخى بناء مجتمع لبناني موحد، متماسك، قادر على ممارسة دوره الحضاري في المجتمع العالمي بشكل عام وفي مجتمعه العربي بشكل خاص. وقد اعتمد المركز التربوي للبحوث والإنماء في اعداده للمناهج الجديدة على تحقيق الهدفين الأساسيّين الآتيين:
-“بناء شخصيّة الفرد، حيث تراعى في تكوين الشخصيّة الفرديّة، القدرة على تحقيق الذّات و تحمّل المسؤوليّة والالتزام الأخلاقي والتعامل مع الآخرين في روح المواطنيّة المسؤولة والمشاركة الانسانيّة وذلك عبر الميادين الآتية: الذهني المعرفي، العاطفي الوجداني والحركي.
-تكوين المواطن، توخياً لبناء مجتمع لبناني موحّد، متماسك، منتج وقادر على ممارسة دوره الحضاري في المجتمع العربي خصوصاً”. [1]
إن التمعن في قراءة هذه الأهداف، ودراسة مدى تحققها لدى الطلاب في لبنان منذ ما يزيد عن 20 عاماً وحتى اليوم، يقودنا الى الاستنتاج أنها فشلت في إعداد المواطن اللبناني المؤمن بدوره على المستويين الوطني والعربي، وأن المواطنة في مضامين هذه المناهج لم تتعد كونها من السرديات التي لم تقنع الطالب بفحواها طالما أنه عندما يعود إلى بيئته الواقعية ومجتمعه الافتراضي على وسائل الاتصال الاجتماعيّ، فإنَّ “خطاباً مخفياً” هو ما يشكل مداركه وقناعاته الحقيقية، دون ان نغفل البيئة المدرسية التي تشكل امتداداً لهذه الثقافة المستنبطة من قبل الطالب. إن التربية على المواطنة تهدف الى بناء الإنسان الحر الديمقراطي المشارك بفاعلية في الحياة السياسيَّة ، وبالتالي لا يمكن أن يولد هذا الانسان في المصادفات التاريخيَّة العابرة ولا يوجد في فراغ اجتماعي، بل هو الإنسان الذي يجب على التربية “أن تقوم بإعداده وتكوينه إنسانياً للمشاركة الحرَّة في صنع المصير الاجتماعي للمجتمع الذي ينتمي إليه، مع التأكيد إنه من غير التربية الديمقراطيَّة والتربية على المواطنة يتحوَّل المواطنون إلى رعايا وأفراد رعاع، لا يمتلكون مصيرهم
السياسي وغير قادرين على المشاركة الاجتماعيَّة، فالمواطنة تعني الممارسة الحرَّة للمواطن في شؤون الحياة العامة وفق أنظمة حرَّة يحدِّدها القانون وترسمها الأعراف الديمقراطيَّة في مجتمع جديد”[1] .
ومن أبرز مظاهر المنهج الخفي في الواقع اللبناني والتي تتناقض مع الأهداف العامة للمناهج الجديدة:
-ضعف المواطنة: يؤكد الباحث التربوي الدكتور عدنان الأمين في عدد من الدراسات التي أجراها حول المواطنة والتربية السياسية لدى طلاب لبنان[2]، أن ما تقدمه التربية المواطنية في المدرسة هو ضعيف جداً وأن بعض المعلمين[3] عبروا عن سخريتهم مما يرد في الكتب المدرسية بالمقارنة مع ما يحصل على أرض الواقع المعاش، كما أظهرت آراؤهم خلافات فيما بينهم حول مواقفهم مما ورد في مضمون المناهج. ويؤكد الأمين أن دور الأسرة في التنشئة السياسية أقوى من دور المدرسة، وبأن السياق الاجتماعي بالتالي أكثر تأثيراً على الطلاب من السياق التربوي.
-تهميش اللغة العربية: استنتجت الباحثة إيزابيل عبدالله الخوري في دراسة حديثة حول تحدّيات اللّغة العربيّة في المدارس اللّبنانيّة الخاصة[4]، أن 33.33% من طلاب صفوف الرّابع، والخامس، والسّادس الأساسيّ يرغبون في إلغاء مادة اللغة العربية من المنهاج التعليميّ في ما لو كان الخِيار عائدًا لهم، وأن 57.94% منهم يعتبرون أنها المادّة الأصعب في التعلّم. كما أن مردود المتعلّمين في المادة جاء سلبياً إذ حصد 29،37% منهم درجة متوسّط و25،40% درجة سيّئ و23،52% درجة سيّئ جدًّا. ولا بد من الإشارة في هذا السياق الى ضعف استعمال اللغة العربية الفصحى من قبل عدد كبير من المعلمين، مما يكرس ضعف الهوية العربية لدى طلاب لبنان في مواجهة اللغات الغربية والعربيزي واللهجة اللبنانية المحكية.
التفاوت الاجتماعي التربوي: تناولت دراسة حديثة أجرتها الباحثتان التربويتان سوزان أبو رجيلي وسهام حرب[5] الواقع التربوي المأزوم في لبنان في ظلّ التعليم عن بعد، وبيّنت الدراسة أن هناك نقص في العدالة الاجتماعية والتربوية يتجسد على صعيد جودة التعليم ومخرجاته، بحيث استحال نظام التعليم الى فئات متلازمة وغير متجانسة، وذلك بين القطاعين الرسمي والخاص من جهة، وضمن كل قطاع من جهة أخرى:
للمدارس فيه مراتب، وللمعلمين مراتب، ولمناهج التعليم مراتب، تتماشى مع مراتب الأهل المُسندة إليهم وفقاً لخلفياتهم الاجتماعية والاقتصادية. وعليه، يرتسم مسار المتعلم تحت تأثير واضح لخلفيته الأسرية التي تهيئه تلقائياً إلى التوجه نحو مدارس محدّدة، يتواجد فيها معلمون تطغى لدى عدد منهم سمات مهنيّة ومؤهلات تعليمية مشتركة، فتضحي المدرسة وسيلة لتعميق الانقسامات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، بدلاً من ردمها.
السلبية والاستسلام: لمست من خلال بعض الدراسات الميدانية التي أجريتها مدى تجذر ثقافة السلبية الاستسلام لدى المراهقين والشباب اللبناني، الذين يعتقدون أن الوضع اللبناني لن يتغير وأنه لا أمل في المستقبل المنظور، وهو واقع يكرس استمرار الواقع الحالي ويذوي بالتالي أي دور للشباب في التغيير. وقد بيّنت دراسة أجريتها في العام 2019 حول بطالة خريجي الجامعات في لبنان[1] أن 60.6% من الخريجين العاطلين عن العمل يفكرون بالهجرة ، ويعزون السبب الى الفساد والواسطة والمحسوبية وصعوبة تغيير هذا الواقع الذي تحكم قبضتها عليه السلطة الحاكمة. وأكدت دراسة أخرى حول ترشح المرأة اللبنانية الى الانتخابات النيابية[2] أن 87% من المواطنين يعتبرون أن وصول المرأة الى المجلس النيابي لن يغير شيئاً لأن إمكانية التغيير في لبنان هي شبه مستحيلة.
ختاماً، إن المناهج التعليمية الرسمية تشكل إطاراً نظرياً يطبقه المعلمين وفقاً لثقافتهم ومعاييرهم الذاتية، ويمارسون نوعاً من الإنتقاء التفاضلي على مضامين المواد، بشكل يتماهى في أحيان كثيرة مع الثقافة السائدة في المجتمع المحلي، الذي يستبطن فيه الطالب التنشئة الاجتماعية في السياق الواقعي للمؤسسات الاجتماعية التي ينتمي اليها. كما تستفيد الدولة من المنهج الخفي لتحكم سيطرتها على الشعب، وكي تؤمن ديمومة استمرارها وفق التوجهات التي تتناسب مع مصالحها، بصورة تتعارض مع مقومات المواطنة والدولة الحديثة. إذاً، يشكل المنهج الخفي في علاقته بالمنهج الواقعي حيّزاً معقداً للبحث عن أسباب الفشل أو الإخفاق التربوي في بعض الجوانب غير الواضحة. ولابد بالتالي من وضع إصلاحات جوهرية تطبيقية تراعي الواقع التربوي بكافة أبعاده، وتعمل على توجيه المنهج الخفي إيجابياً، لتحقيق الأهداف المرجوة من المناهج الرسمية، فالمنهج الخفي ليس خفياً إلا لمن لا يريد أن يرى.
المراجع والمصادر:
-أبو رجيلي سوزان، وحرب سهام، نحو مقاربة نقديّة “أخرى” للواقع التربوي المأزوم في لبنان، 20 أكتوبر 2020، https://www.arab-reform.net/ar/publication.
– الأمين، عدنان، المواطنة والتربية السياسية، محاضرة، 2008. https://drive.google.com/file/d/0ByjWg_f3ePUJQTBkalRWcHI3bU0/view
– الصراف، دولي، بطالة خريجي الجامعات في لبنان “قنبلة موقوتة”، المؤتمر الدولي الخامس للعلوم الانسانية والاجتماعية والرياضية، أنطاليا، .2019
– الصراف، دولي، ترشح المرأة اللبنانية الى الانتخابات النيابية بين المساواة في الفرص والتفاوت في النتائج، مجلة العلوم الاجتماعية، عدد خاص بعنوان ” المساواة بين الجنسين إشكالات ثقافية ومجتمعية”، مركز الأبحاث في الجامعة اللبنانية، حزيران 2019.
– الخوري، عبدالله إيزابيل، تحدّيات اللّغة العربيّة في المدارس اللّبنانيّة الخاصة واقع وعوائق، مجلة أوراق ثقافية، العدد 9، 2020.
– اليونيسكو: تقييم برامج تدريب المعلمين، في تقرير تقييم المناهج التعليمية الجديدة في لبنان، الهيئة اللبنانية للعلوم التربوية، لبنان، 2002.
– بييربورديو، وجان كلود باسرون، إعادة الإنتاج: في سبيل نظرية عامة لنسق التعليم، ترجمة ماهر تريمش، المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007.
– زوحى، نجيب، التعليم بين أهداف المنهج الخفي وأيديولوجية المعلم، 2016/05/01، https://www.new-educ.com.
– وطفة، علي ( 2011 ) في الاغتراب الثقافي المعاصر، مجلة المعرفة، العدد /571/ دمشق، وزارة الثقافة.
-وطفة، علي أسعد ، بيداغوجيا الرمز والعنف الرمزي في منظور بيير بورديو، 12 سبتمبر 2020، http://watfa.net/archives/11386
– يونس، أسعد، مضمون المناهج التربوية الجديدة وارتباطها بالواقع، موقع المركز التربوي للبحوث والإنماء،
http://www.crdp.org/mag-description?id=9651
-Philip Wesley Jackson (1968). Life in Classrooms. Holt, Rinehart and Winston. Reprinted as Philip Wesley Jackson (1990). Life in Classrooms. Teachers College Press. pp. 33–37. ISBN 978-0-8077-7005-4.