الموت الآتي ، حرباً بألوان قوس قزح

-هل ما يحدث في أوكرانيا هو حرب روسيّة لفرض شروطها على الغرب وأوروبا ورسم خطوط حمراء لتوسّع حلف الناتو في دول أوروبا الشرقيّة، وجعلها منزوعة السّلاح وخاصرة موسكو القويّة؟
-أم أنّها حرب إستراتجية مخفيّة الأهداف ،بدأت باتفاقية سريّة بين موسكو وواشنطن لإضعاف أوروبا وتقاسم ثرواتها ومناطق نفوذ جديدة ، لبسط سيطرة كلّ من الدولتين، على مناطق ودول تنعم بثروات طبيعيّة هائلة من المعادن وتتمتع بثروات زراعيّة وصناعيّة وتجاريّة ومراكز استراتيجية هامّة؟
-هل الغاز هو السلاح الذي سيلوي ذراع أوروبا ويدفعها للخضوع للشروط الروسيّة وبالتالي الأميركيّة؟
غادة المرّ
العالم اليوم يكاد يعجز عن استعاب ما يحدث. لم يكد يمتصّ ويستوعب تبعات جائحة قبضت على أنفاس الأرض وفتكت بالبشر وعانى ما عاناه ،حتى حلّت الحرب الأوكرانيّة-الروسيّة ضيفاً ثقيلاً ومرعباً، دخلت أسماء المدن والمعارك والضّحايا منازلنا وهواتفنا ونقاشاتنا وسرقت بريق الأحداث الأخرى.
خَفُت ضجيج الموت بالفيروس الغامض ،ليحلّ مكانه ضجيج وصوت الحرب وصهيل جولات المعارك في مدن تصدّرت شاشات التلفزة والأخبار وفرضت على عالمنا هذا المنهك والمتخبّط، بين الانبهار والصّدمة، واقعاً جديداً لا يُحسد عليه.
اليوم العالم وبالتحديد أوروبا ، أمام خيارين أحلاهما مرّ، فإمّا خيار احتواء الأحداث المتسارعة
وتلقّف تبعاتها ،وإمّا خيار المواجهة والانتحار الجماعي ودفع العالم كلّه نحو حرب عالميّة ثالثة.
كلا الطرفين الروسيّ والغربي ،أخطأ في الحساب.
بوتين ،فاجأ أوروبا وبدأ الحرب بغزو أوكرانيا، لكنّه أخطأ بتقديراته ، وهذا خطأ فادح وقعت فيه المخابرات الروسيّة، إذ لم يحسب الروس مدى قوة وصلابة المقاومة الأوكرانيَة ،فغرق الجيش الروسيّ في مستنقع حرب استنزاف لقدراته تضمّنت خسائر بشريّة ومعدّات حربيّة ،ناهيك عن التكاليف الباهظة للحرب .كما برزت عدّة مشاكل لوجستيّة ،من إمدادات للذخيرة والوقود والطعام وغيرها.
ولعلّ أسوأ ما واجه الجيش الروسيّ هو صلابة المقاومة الأوكرانيّة وخرق الإتصالات بين القيادة والجنود
في أرض المعركة. فقد أخطأ الروس بإستعمال شبكات الإتّصال الأوكرانية ،ما سهّل الأمر على الجيش الأوكراني بكشف تحرّكات و فكّ الشيفرات للمكالمات والتعليمات العسكريّة .
ناهيك عن العقوبات التّي فرضها الغرب وواشنطن على موسكو ،ما صعّب المهمّة على بوتين، الذي وجد نفسه محشوراً في الزاوية.
بماذا فكّر بوتين حين أقدم عل الحرب وقرع طبولها ،هل فكرّ بمجد الإتحاد السّوفياتيّ، أم توهّم أن الناتو والغرب سوف يهابون تهديداته ويخضعون لمطالبه ،بِدأً بجعل الدوّل المحيطة آمنة ومنزوعة السّلاح، وكبح جماح ارتماء الدول الشرقيّة في أحضان حلف الناتو؟
راهن بوتين على قدرته على الحسم وإسقاط كييف وتنصيب حكومة ورئيس للبلاد مواليين لموسكو، وبذلك يجرّ الغرب وحلف الناتو للانصياع لشروطه على طاولة المفاوضات.
الحرب الأوكرانيّة هي حرب تقليديّة إنطلقت من سيناريو مقاومة أوكرانيّة شرسة وعنيدة للقوات الروسيّة ، شاركت فيها الدّبابات والطائرات والمروحيّات والمسيّرات وحتّى زجاجات المولوتوف ،إلى جانب أسلحة وعتاد وصواريخ مضادة للمدرَعات ، زُود بها الجيش الأوكراني من قبل حلف الناتو والولايات المتحدة الأميركيَة.
ولو قدَر للجيش الروسيّ إجتياح المدن وإلحاق الدّمار الشَامل بها ، وهو ممكن ،سيتعذّر عليه البقاء والسيطرة على 40 مليون نسمة معظمهم يكره الرّوس . وهذا أسوأ ما ينتظر الجيش الرّوسي من حرب استنزاف مميتة وطويلة ستحتاج إلى تكريس نصف مليون جندي للمهمّة ،وهذا مستحيل.
الغرب وحلف الناتو، وواشنطن ،لم يختاروا الانخراط المباشر بالحرب الدائرة ،بل عمدوا لتسليح ودعم أوكرانيا ومدّها بكل ما يمكن كي تواجه الجيش الروسي وتصمد.
كما عمدوا لفرض العقوبات الاقتصادية والماليّة والتجاريّة ، والّتي ستمنع روسيا من إعادة بناء قدرتها القتاليَة والعسكريّة وتمويل جيشها وتشلّ إقتصادها بالكامل.
اليوم موسكو تسعى لحسم معركة ماريوبول للتفرغ لمعركة دونباس الإستراتيجيّة .لكن التحدّي الأكبر أمام القوات الروسيّة ومن خلفها القيادة في الكرملين ،ماذا ستفعل بوجه مقاومة شرسة ستواجهها في دونباس حيث سيضطر الروس لتكبّد خسائر بشريّة موجعة .وبالتالي ستكون الخسائر من الطّرفين.
وهل سيتخلّص الروس من 60.000 مقاتل أوكراني كي يفرضوا سيطرتهم على المدينة؟ ناهيك عن التململ من تبعات الحرب والعقوبات على الشعب الروسيّ الَذي أصيب بخيبة أمل جرّاء صدمته من آداء وقوة جيشه ،وفشل استخباراته بتقيم مدّة وكلفة تلك الحرب .
العالم اليوم متوتر ومنقسم بين داعم ومشارك بالعلن وبين مشارك من تحت الطاولة.
فكوريا الشماليّة والصين وتواجهان تكتل ال Aukus وهو تكتل يضم الولايات المتحدة الأميركيّة ،استراليا وبريطانيا وهو تحالف عسكري نووي في منطقة الباسفيك يستهدف الصين وكوريا الشماليّة ،عبر غوّاصات مؤهّلة نوويّاً.
طهران تلعب لعبتها وتحتفظ بكلّ الأوراق وتهدّد إسرائيل بتدمير منشآتها الحيويّة ،والّتي يمتلك الحرس الثّوريّ خرائط مفصّلة عنها ،إذا ما هاجمت المنشآت الإيرانيّة النوويّة. وتعمد طهران الحياد كي لا تغضب واشنطن ،لأنّها تريد مواصلة المفاوضات النوويّة في فيينّا.
الصّين تتهيّأ لتنفيذ مشاريعها من تايوان إلى منطقة المحيط الهادئ.وهي تتحاشى التورط المباشر بالحرب الدائرة في أوكرانيا.
تركيا وباكستان إنضمّتا مع الغرب ،في حين الهند رفضت مقاطعة موسكو والإنحياز ضدها في الحرب الدائرة منذ شهرين تقريباً.
أمّا الشرق الأوسط يبدو أكثر هدوءاً من أوروبا الواقفة على شفير حرب عالميّة ثالثة.
دول الخليج فضّلت التعاطف مع الروس بسبب تردي العلاقات مع إدارة بايدن وتقربه والتساهل في المفاوضات مع طهران.
هل ورّطت اميركا الرّوس بحرب استنزاف طويلة؟ أم كانت الصفقة ملغومة بالسّم وتجرّعها قيصر الكرملين .؟
مهما كانت الأسباب ومهما كانت محقّة سواء للحلف أو لموسكو، هل تستحق تلك الأسباب كلّ هذه الخسائر البشريّة والدّمار والمآسي ؟
غداً يتفق القادة ،ويجتمعون في غرف فخمة ومبرّدة يفاوضون ويقتسمون المغانم والثروات والنفوذ وتبقى الشعوب وحدها من دفعت الأثمان الباهظة من الأرواح والممتلكات .
فالحروب يقوم بها الفقراء ويستثمرها الأغنياء .
وتبقى تلك الأم تنتظر عودة ابنها من حربٍ لم يخترها أي منهما ، تنتظر عودته … ولن يعود.