
في ظلال الانهيار: طرابلس نموذج لصيرورة الاقتصاد الصامت والمرن

كتبت لبنى عويضة
في عاصمة لبنان الثانية، حيث تغيب الموازنة، وتتلاشى المشاريع، وتختفي خطط التنمية، تستمر الحياة رغم كل ذلك.
طرابلس، تلك المدينة التي تنعدم فيها البنى التحتية المستقرة والدعم الرسمي، تعمل بطريقة استثنائية؛ لا تعتمد على الدولة بقدر ما تتجاوزها.
هي اليوم ليست مجرد مدينة مهمشة، بل نموذج صارخ لاقتصاد الهامش؛ اقتصاد يُنتج خارج المعايير الرسمية، يستمر بلا ضمانات، ويبقي مجتمعاً كاملاً على قيد التنفس، لا أكثر ولا أقل.
هذا الاقتصاد ليس مزدهراً، لكنه أيضاً ليس ميّتاً؛ إنه اقتصاد الضرورة، البقاء، والمرونة.
من تحويلات المغتربين إلى تجارة الأسواق الشعبية، من المونة المنزلية إلى خدمات التعليم والصحة غير النظامية، يتشكّل نسيج اقتصادي بديل يملأ فراغ الدولة، من دون أن يعترف بها كمرجعية.
طرابلس ليست استثناءً لبنانياً، لكنها تجلٍ بارز للانهيار الممنهج حيث يتفكك الاقتصاد الرسمي، وتنبثق أنماط عيش مقاومة من قلب الركام.
تحويلات الخارج: اقتصاد الغائبين الذي يطعم الحاضرين
تشكل تحويلات المغتربين العمود الفقري غير المعلن لاقتصاد لبنان عامة، وطرابلس خاصة.
من الخليج إلى أفريقيا، ومن أوروبا إلى أميركا، تنتشر شبكات المغتربين الطرابلسيين، الذين كثيراً ما يبدون التزاماً تجاه مدينتهم يفوق التزام الدولة نفسها.
هذه التحويلات، التي تتوزع على العائلات خارج القنوات المؤسساتية، لا تُضخ في مشاريع إنتاجية، بل تُستخدم للبقاء اليومي: السكن، التعليم، الطبابة، والاستهلاك الأساسي.
رغم أنها توفر استقراراً مؤقتاً، فإنها لا تولّد دورة اقتصادية مستدامة، بل تؤجل الانفجار المحتمل.
التحويلات لم تعد دعماً استثنائياً، بل أصبحت بديلًا فعليًا عن مداخيل الدولة، بما فيها رواتب الموظفين، وتكاليف المدارس، وتأمين الاحتياجات الصحية.
لكن هذا البديل هشّ، سيما أنه مرهون بتقلّبات الخارج، ومهدد بانقطاع مفاجئ لا يحتمل.
الاقتصاد غير الرسمي: حياة موازية خارج الإطار القانوني
في الأسواق، وعلى الأرصفة، وفي الأحياء، يتحرك اقتصاد غير معلن، غير مرخص، وغير مراقب.
ليس فقط خارج القانون، بل خارج الخريطة الرسمية للاقتصاد اللبناني، لا يظهر في بيانات وزارة الاقتصاد، ولا في تقارير المالية العامة، ولا في خرائط الاستثمار.
هو اقتصاد خفي لكنه ملموس وحاضر في كل زاوية من المدينة.
البسطات التي تملأ الشوارع، محلات التصليح الصغيرة، التعليم المنزلي والمراكز العشوائية، خدمات النقل والتوصيل عبر الهواتف، بيوت تنتج المونة وتبيعها عبر التطبيقات، حلقات المساعدات الغذائية، الخياطات، عمال البناء الموسميون، والحرفيون بلا سجل رسمي…
كلها تشكّل نسيجًا اقتصاديًا يعمل في الظل، لكنه يشغل آلاف الأشخاص ويبقي المدينة على قيد الإنتاج.
لا مجال هنا للرومانسية؛ لا أحد يختار العمل في الظلّ بدافع حرّ.
بل لأن العمل الرسمي صار امتيازًا لا يمكن الوصول إليه.
القطاع غير الرسمي ليس ظاهرة هامشية، بل صار الشكل السائد للنشاط الاقتصادي.
فالوظيفة بالمعنى الكلاسيكي تراجعت لصالح مزيج هشّ من الأعمال المتقطعة، العقود الشفهية، والمداخيل غير الثابتة.
هذا الاقتصاد البديل ليس حديث الولادة، لكنه تضخم بعد الانهيار المالي عام 2019، وبلغ ذروته حين انسحبت الدولة من وظيفتها الاجتماعية والاقتصادية بشكل كامل.
ومنذ ذلك الحين، أصبح ما كان يفترض أنه “مرحلي” هو النظام الفعلي.
أما المفارقة أن هذا النسيج، رغم هامشيته، يمتلك دينامية داخلية:
• سوق عرض وطلب
• شبكة خدمات وتبادل
• وأشكال من التضامن الاجتماعي والمقاومة للحاجة
لكنه يفتقر إلى أي شكل من أشكال الحماية:
لا ضمان اجتماعي، لا تغطية صحية، لا تعويض بطالة، لا أمن وظيفي، ولا حتى إطار قانوني لحل النزاعات.
وفي أي لحظة، قد يتحول أي نشاط فيه إلى جريمة أو مخالفة بمجرد قرار الدولة بـ”تطبيق القانون” بشكل انتقائي.
بالمقابل، يعيش هذا الاقتصاد في توتر دائم، فهو ضروري لبقاء المدينة، لكنه لا يعترف به رسمياً، ويُنظر إليه كتشويه.
ومع كل محاولة لتنظيمه تنكشف الفجوة بين منطق الدولة ومنطق الناس.
إذ أن الدولة تطالب بالتسجيل والترخيص، بينما الناس يطلبون ببساطة فرصة للعيش.
شبكات الدعم: العائلة والجمعيات كبدائل مؤقتة للدولة
حين تتفكك المؤسسات الرسمية، تظهر بدائل بُنيت على صمود العائلة التي تحولت إلى مؤسسة اقتصادية اجتماعية بامتياز، تؤمن الإعالة، الحماية، التوظيف، والمسكن والتعليم.
وتبرز كذلك الجمعيات والمنظمات الأهلية، المحلية والدولية، كمزودين للخدمات في مختلف القطاعات، من الصحة إلى التدريب المهني.
لكن هذه الشبكات لا تعمل كأدوات تمكين أو تمويل تنموي، بل كأنظمة تعويض ظرفية.
تكمن المشكلة في عدم استدامتها، واعتمادها على التمويل الخارجي أو الدعم الموسمي.
بدلاً من تحفيز دورة إنتاجية مستدامة، تُكرس هذه الأنظمة غالبًا منطق الاستهلاك والانتظار، وتغذي مجتمعًا معلقًا بين الحاجة والولاء، بين الاستغلال والبقاء.
من اقتصاد التهميش إلى معمار البقاء
ما يلفت الانتباه في تجربة طرابلس ليس فقط حجم التهميش، بل كيف يتعايش الناس معه.
في ظل غياب سياسات اقتصادية رشيدة، ودور تحفيزي للدولة، ظهر ما يمكن تسميته بـ”معمار البقاء”:
شبكات عائلية، اقتصادات جزئية، حلول استثنائية، تعايش مع الفوضى، وتدوير مستمر للأزمات.
ما كان يفترض أن يكون حالة طارئة، تحوّل إلى نمط حياة دائم.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن يُعاد إنتاج الهامش كحالة طبيعية، وأن يُكافأ الانهيار بمنطق “ماشي الحال”.
اقتصاد الهامش: حين يصبح الاستثناء قاعدة
في زمن الانهيار، لا تعني “الهامشية” العزلة الجغرافية أو الفقر فقط، بل تعني خروج منطقة أو فئة اجتماعية كاملة من قلب المنظومة الاقتصادية الرسمية، ودخولها في شبكات بديلة للعيش والإنتاج والتبادل، لا تمر عبر الدولة ولا تخضع لرعايتها.
اقتصاد الهامش لا يعني الغياب التام، بل الحضور المشروط؛ اقتصاد يتنفس خارج المؤسسات، لكنه مرتبط بها بالإنكار أو القمع.
في طرابلس يتجلى هذا النمط بوضوح: المدينة ليست فقط مهمشة من حيث الاستثمارات، بل مهمشة من حيث التصور العام للسياسات الاقتصادية الوطنية؛ كأنها لا تدخل في الحسابات إلا كمصدر توتر، أو مستفيد من مساعدات مؤقتة.
في الوقت الذي تستنزف فيه المدينة طاقاتها في البحث عن حلول معيشية يومية، تُصاغ السياسات الاقتصادية وكأن طرابلس غير موجودة: لا حضور في برامج الدعم، ولا أولوية في الخطط الاستثمارية، ولا اعتراف بخصوصيتها الجغرافية والسكانية.
وغالبًا ما تقتصر الوعود على كلام لا يسمن ولا يغني من جوع، لم يُطبق منها أي مشروع حتى اليوم.
هذا التجاهل لا ينتج فقط فقرًا، بل بنية اقتصادية بديلة بالكامل:
لا ترتكز على البنوك، بل على القروض الشخصية.
لا تعتمد على الشركات، بل على المبادرات العائلية.
لا تنظمها الدولة، بل يديرها المجتمع بأدواته الأولية.
بهذا المعنى، طرابلس ليست ضحية الاقتصاد اللبناني فقط، بل ضحية تصور مركزي للاقتصاد لا يعترف بالأطراف إلا حين تنفجر.
وما يبدو كاقتصاد بقاء هو في الحقيقة اقتصاد مقاومة ضمنية: مقاومة للإلغاء، الإقصاء، وللصمت المفروض من فوق.
الاقتصاد حين يتحرر من الدولة… ولا يتحرر من الفقر
طرابلس لا تعيش خارج الدولة فحسب، بل تعيش رغم الدولة.
في غياب أفق سياسي حقيقي للإنقاذ، تواصل بناء منظومتها الخاصة من الاقتصاد الموازي، المرن، الصامت.
لكن هذه المنظومة، رغم مرونتها، لا تصنع تنمية، ولا تؤسس عدالة، ولا تبني مستقبلًا مشتركًا.
هي نظام بقاء مؤقت، لا أكثر.
المطلوب ليس فقط رؤية إنمائية لطرابلس، بل إعادة الاعتراف بها كجزء لا يتجزأ من الكيان الاقتصادي الوطني، لا كمجرد هامش يُترك له أن يعالج نفسه بأدوات الارتجال.
إن لم تُطرح أسئلة الاقتصاد من قلب الهامش، سيبقى المركز غارقًا في أوهامه.
وطرابلس، كنموذج، ليست مجرد مدينة في خطر، بل مؤشر لما ينتظر غيرها.