
من الطائرة إلى الصاروخ: صيف لبنان يختنق على جبهة الإقليم
بقلم لبنى عويضة

لا يأتي الانهيار دائمًا بصوت انفجار أو سقوط مدوٍ، بل قد يتسلّل على رؤوس الأصابع، عبر إلغاء رحلات جوية، وارتفاع أسعار النفط، وتراجع الحجوزات السياحية، وقرع طبول الحرب في الإقليم… هكذا يعيش اللبنانيون اليوم تحت ضغط تصعيد إقليمي متسارع، يتقاطع مع أزمات داخلية متفاقمة تزيد هشاشة البنية الاقتصادية، فيما تُطرح مجددًا الأسئلة الكبرى: هل لبنان على وشك تكرار صيف 2023؟ وهل يصمد هذا البلد أمام العاصفة؟
موسم الصيف في مهبّ الأزمات
كان يُعوّل على صيف 2025 كمحطة تنفّس للاقتصاد اللبناني، في ظل توقّعات بعودة عشرات الآلاف من المغتربين والسياح، لا سيما من دول الخليج، ما كان سيُنعش السوق ويغذي القطاعات الحيوية بالنقد الطازج. غير أن التطورات المتسارعة على جبهة إسرائيل–إيران وما تبعها من تحذيرات سفر وإلغاء رحلات أعادت إلى الأذهان مشهد الانهيار الذي رافق صيف 2023، حين انهارت المؤسسات، وتلاشت آمال النهوض، وسقطت السياحة في فراغ أمني واقتصادي قاتل.
الضربة من الجو… مجددًا
في غضون 24 ساعة فقط، أُلغيت 34 رحلة جوية من مطار بيروت، بينها رحلات لشركات كبرى كـ”لوفتهانزا”، “التركية”، “الإثيوبية”، و”الرومانية”، بينما أُعلن عن إلغاء تام لجميع رحلات “الميدل إيست” المغادرة صباح يوم الإغلاق (20 رحلة دفعة واحدة). هذه الضربة الجوية المباشرة شلّت موسم “الشارتر” الذي يُعدّ العمود الفقري لحركة السيّاح، فانخفض الطلب على الفنادق وتأجير السيارات بشكل حاد.
إحدى شركات تأجير السيارات أعلنت عن إلغاء 15 حجزًا دفعة واحدة، فيما تحولت الشاليهات من إشغال شبه تام إلى فراغ خلال ساعات.
أما رئيس اتحاد المؤسسات السياحية، بيار الأشقر، لم يُخفِ قلقه، معتبرًا أن “الخسائر قد تتخطى الملايين” وأن الوضع مرهون بمسار الأيام المقبلة.
بين الذهب والنفط: الأسواق تشتعل
اللافت أن الأسواق العالمية لم تكن بعيدة عن اشتعال الجبهة الإقليمية. فقد سجّلت أسعار الذهب الفوري قفزة بنسبة 1.3% لتلامس 3,452.80 دولارًا للأوقية، محققة مكاسب أسبوعية تقارب 4%، في أقوى ارتفاع أسبوعي لها منذ أشهر، واقتربت بذلك من أعلى مستوى تاريخي بلغته في أبريل عند 3,500.05 دولار.
بالتوازي، قفزت أسعار النفط بنحو 7% عند إغلاق جلسة الجمعة، حيث ارتفعت العقود الآجلة لخام برنت بمقدار 4.87 دولارات، لتُغلق عند 74.23 دولارًا للبرميل. وسجّل الخام خلال التداولات مستوى 78.5 دولارًا، مرتفعًا بأكثر من 13%، وهو أعلى مستوى يُسجَّل منذ 27 كانون الثاني. هذه المؤشرات العالمية تُنذر بتوسّع الاضطرابات إلى الأسواق اللبنانية التي لا تملك أي قدرة على امتصاص الصدمات.
الطاقة: أزمة فوق الأزمة
في ظل هذا الواقع، أعاد الارتفاع العالمي لأسعار النفط والغاز إلى أذهان اللبنانيين شبح الانفجار الاقتصادي الذي رافق الحرب الروسية-الأوكرانية. وإذا ما استمر التصعيد، فإن فاتورة الطاقة مرشحة للارتفاع بما يفوق 20% خلال أسابيع، ما سيُثقل كاهل المؤسسات الصغيرة، ويؤدي إلى رفع أسعار المولدات والنقل والمواصلات، مع غياب أي خطط بديلة أو دعم رسمي للطاقة البديلة.
المواد الغذائية: القلق مشروع
رغم الطمأنات الظرفية، فإن القلق يتصاعد. نقيب مستوردي المواد الغذائية، هاني بحصلي، أكّد أن عمليات الاستيراد ما زالت مستقرة حتى اللحظة، لكنّه حذّر من أن أي توسّع في النزاع سيدفع باتجاه اضطرابات في سلاسل التوريد، وارتفاع تدريجي في أسعار السلع الأساسية، قد يصل إلى 20% في حال دخلت أطراف إقليمية إضافية على خط الحرب.
القطاع الجوي والملاحة: عودة هشّة
رغم إعادة فتح المجال الجوي اللبناني صباح السبت، فإن الأجواء لا تزال مشوبة بالحذر. سوريا، العراق، وإيران أغلقت مجالاتها الجوية، ما أجبر الرحلات الدولية من بيروت إلى أوروبا على اتخاذ مسارات أطول عبر قبرص، ما يترجم إلى تكاليف تشغيلية أعلى وتأخيرات مجهدة. شركة “الميدل إيست” أعلنت أنها تعمل على إعادة جدولة رحلاتها، لكنها لم ترفع بعد تعليق عدد كبير من الخطوط، ما يعني استمرار الشلل الفعلي في حركة النقل الجوي.
الفراغ الرسمي: شلل القرار وغيبوبة الرؤية
أمام مشهد بالغ الدقة، تغيب الدولة اللبنانية مرة أخرى عن الواجهة. لا غرفة عمليات لإدارة الأزمة، لا تنسيق بين الوزارات، ولا سياسات طوارئ قابلة للتطبيق. كل قطاع يواجه مصيره منفردًا، وسط شلل في القرار السياسي وتنازع في الأولويات، فيما تُترك البلاد رهينة الأحداث الإقليمية دون أي درع واقٍ داخلي.
إلى أين؟
لبنان يقف اليوم على مفترق طرق خطير:
• إما استقرار نسبي يسمح بإحياء جزئي لموسم الصيف وضخ بعض الأوكسيجين النقدي في الدورة الاقتصادية،
• أو انفجار أمني واقتصادي يغرق البلاد في انكماش شامل، مع انهيارات في السياحة، الصناعة، الاستيراد، والقدرة الشرائية.
قد تكون هذه الفرصة الأخيرة لتدارك ما يمكن إنقاذه عبر:
• تفعيل خطة اقتصادية طارئة،
• تحفيز الانتقال السريع إلى الطاقة البديلة،
• تحصين القطاع السياحي أمنيًا وسياسيًا،
• وفتح حوار داخلي لتجميد الخلافات السياسية أمام خطر الانهيار.
ما بعد العاصفة ليس كما قبلها
لبنان لم يعد مجرد بلد صغير وسط نزاع كبير. هو نموذج مهدد بالانقراض. وأي شرارة إقليمية تُترجم فورًا إلى انهيار في القطاعات، وهجرة في العقول، ودمار في فرص العيش الكريم. فإن لم تبادر الدولة، ومعها الفاعلون الاقتصاديون والاجتماعيون، إلى وقفة وطنية صارمة، فقد لا يبقى ما يُصلَح.
فالخطر لم يعد مؤجلاً… لقد بدأ.