في ذكرى وفاة المحامي تحسين الأطرش

بقلم الدكتور منذر معاليقي
في مثل هذه الأيام ؛ ١٧ تشرين الثاني من عام ١٩٨١ سقطتْ قامة من قامات الوطن ، ورحل عن دنيانا الشهيد الشاب ، اليافع ، المحامي الوطني العروبي ، القيادي تحسين الأطرش ، ليلتحق بركب الصدّيقين إلى دنيا الحقّ والخلود .
رحلت َ صديقي جسدًا ، وبقيتَ نبَضَ قضيّة ، وصوتَ حقّ، وقامة وطن .
غاب الصديق العزيز الذي عرفناه مثقّفًا ، جهبذًا ، عقائديًّا صلبًا ، ومناضلًا ، عاشقًا لوطنه ، ابن الفيحاء – طرابلس المحروسة – ، التي حملها في قلبه ، وابن لبنان وفلسطين ، حيث انبرى مدافعًا عن الحقّ الوطني ، والمطالب الشعبيّة ، وقضيّة فلسطين خاصة .
لم يكن الفقيد الغالي إنسانًا عاديًّا ، بل كان قلمَ الحقيقة في محاكم الظلم ، وكان منارة الفكر العروبي والإنساني ، امام ما هبّ من رياح .
افتقدَك تحسين القلم ، والمِداد ، افتقدك المنبر ، الذي افتقد لسانًا يُرتّل قدسيّة الكرامة والحرّية والعدالة .
لم يكن تحسين الأطرش مناضلًا فحسب ، بل كان محاميًّا حمل رسالة القانون ، بضمير لا يتبدّل ، وجعل من العدالة ميثاقًا شخصيًّا لا يحيد عنه .
دافع عن حقوق الناس ، ببصيرة العالم ، وثبات المؤمن بقيم الحق ، وبحسٍ فطري ، يعرف أنّ القانون لا يصير عدالة إلا إذا نطق به شرفاء .
كان الفقيد الشهيد يتقدّم الصفوف في الدفاع عن المظلومين والضعفاء ، ويقف في ساحات الجدل القانوني وقفة رجل يعرف أنّ الكلمة موقف ، وأنّ الإيمان بالقضيّة أقوى من كل سطوة .
الشهيد تحسين ، المتحدّث الهادئ ، الفصيح ، البليغ ، الذي يحلو الإنصات اليه ، ويطيب الجلوس في محاضراته ، في لهجته المحبّبة ، ولكنته الطريفة ، وأحاديثه المتدفّقة عن الرسالة الخالدة ، وتاريخ الإنسان العربي المجيد ، كنّا نرى وطنًا بأكمله يتكلّم .
أذكّره بطلّته البهيّة ، وهدوئه الاخّاذ ، وعاطفته الأخويّة الصافية ، وإنسانيّته التي تقطر صدقًا ومناقبيّة .
أذكّره بفخر ، بإباء ، وبشموخ ، من تلك الأيام التي عرفنا فيها العزّة ، والكرامة …
أيام نفتقد الكثير من بريقها اليوم . فقد كان الشهيد تحسين الأطرش المثل الأعلى لأحبّته ، ولأصدقائه الكثر ، في المحبّة والمودّة والاندفاع ، وفي الصراحة ، والشجاعة الأخلاقيّة .
هذا كله ، ليس إلا غيضًا من فيض رجلٍ استشهد في سبيل قضيّة أمته ، التي ما زالت تتطلّع إلى غد ٍ حر ، ومستقبل أرحب ، وأنّ ذكراه لا تُستعاد رثاءً ، بل تُستعاد عهدًا بأن تبقى مبادئه حيّة ، وأن يظلّ اسمه منارة ًلكل منْ يؤمن بأنّ العدالة حق ، وأن الكرامة قدر ، وأنّ الوطن أكبر من أن يُختصر بزمن عابر .
رحلت تحسين ، وعينك على فلسطين ، وقلبك ينبض في شرايين لبنان ، وروحك تحلّق فوق الرافدين .
نمْ قرير العين يا ابا الأحرار ، فقد تركت إرثًا بلاغيًّا يدرّس في الوطنيّة والتضحية .
سلام لروحك الطاهرة ، وسلام عليك في الخالدين ، ذكراك باقية ، ما بقيتْ في الامّة نبضةعروبة صادقة .