التصعيد الإيراني-الإسرائيلي: أزمة جيوسياسية تعصف بالاقتصاد العالمي والإقليمي
بقلم لبنى عويضة

التصعيد الإيراني-الإسرائيلي: أزمة جيوسياسية تعصف بالاقتصاد العالمي والإقليمي

بقلم الصحافية لبنى عويضة
من طهران إلى تل أبيب، لم تعد الجبهات تقتصر على الساحة العسكرية فقط، ففي الوقت الذي تتساقط فيه الصواريخ على المنشآت، تتهاوى المؤشرات الاقتصادية في كلا البلدين. مع كل صافرة إنذار في تل أبيب، يهوي سهم في بورصتها، ومع كل قصف في طهران، يترجم ذلك بتراجع جديد في الريال الإيراني.
إذ لم يطلق الرد الإيراني على الضربات الإسرائيلية شرارة المواجهة العسكرية فقط، بل دفع المنطقة إلى حافة أزمة اقتصادية شاملة، حيث تتشابك صواريخ الردع مع منحنيات العجز المالي وتقف العملات على خط النار.
بالتالي، انعكست موجات الرد الإيراني المتتالية على الضربات الإسرائيلية التي استهدفت منشآت نووية في طهران، لتشعل أزمة اقتصادية عالمية متصاعدة. وتلقى الاحتلال الإسرائيلي موجات من القصف الصاروخي التي تسببت بشلل شبه كامل في الحركة الاقتصادية، وسط تخوفات من تداعيات طويلة الأمد على النمو والعجز المالي.
ووفقًا لما نقلته القناة 12، فإن استمرار الحرب قد يزيد من حدّة الأضرار الاقتصادية ويعزز احتمالية خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل، مع تزايد الضغوط على الموازنة العامة. وقد أدت الضربة الاستباقية الإسرائيلية إلى ارتفاع حاد في أسعار النفط والذهب في الأسواق العالمية خلال عطلة نهاية الأسبوع.
النفط والذهب: مؤشرات على اشتعال الجبهة الاقتصادية
دفعت الضربة الإسرائيلية على طهران أسعار النفط إلى ارتفاع حاد، وسط تنامي المخاوف من إغلاق مضيق هرمز، الذي تمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية. وواصلت أسعار النفط ارتفاعها في تعاملات يوم الإثنين، بعد مكاسب قوية بلغت 7% في الجلسة السابقة، نتيجة تصاعد المخاوف من تعطل الإمدادات على خلفية التوترات الجيوسياسية المتزايدة في الشرق الأوسط.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت تسليم آب بنسبة 0.85% (64 سنتًا) لتسجّل 74.87 دولارًا للبرميل، فيما صعد خام نايمكس تسليم تموز بنسبة 1.15% (83 سنتًا) ليبلغ 73.81 دولارًا للبرميل في تعاملات أميركيّة.
في أسواق الخيارات، تكثّفت التداولات على عقود شراء لشهر آب، بأسعار تنفيذ تجاوزت 80 دولارًا للبرميل، وسُجّل نحو 2000 عقد عند مستويات 100 و101 دولار، ما يعكس المخاوف المتصاعدة من اختناق الإمدادات. كما ارتفعت عقود برنت الآجلة بمقدار 1.70 دولار (+2.3%) لتصل إلى 75.93 دولار، بينما صعد خام غرب تكساس الوسيط 1.62 دولار (+2.2%) ليبلغ 74.60 دولار، بعدما كانا قد سجّلا مكاسب تجاوزت 13% في وقت سابق، في أعلى مستوياتهما منذ يناير.
في موازاة ذلك، ارتفعت أسعار استخدام ناقلات النفط وأسهم الشركات المشغّلة لها، وسط توقعات بحدوث اضطرابات كبيرة في حركة الشحن البحري. ووفق وكالة “بلومبرغ”، قفزت عقود الشحن الآجلة لشهر تموز بنسبة 15% إلى 12.83 دولارًا للطن، بحسب بيانات “ماريكس غروب”، بينما أعلنت إحدى كبرى شركات النقل البحري عن تشديد شروط تأجير سفنها في مناطق التوتر.
تعكس هذه التطورات هشاشة أمن الطاقة العالمي، حيث لم تعد الأسواق تتحرك فقط تبعًا للعرض والطلب، بل باتت مرهونة بمآلات الصراع العسكري ومخاوف تمدّده إقليميًا.
في خضم القلق العالمي، ارتفعت أسعار الذهب بنسبة 3.7%، مسجلة في تعاملات الاثنين المبكرة، سجل الذهب 3428.89 دولارًا للأونصة في المعاملات الفورية، مقتربًا من أعلى مستوياته منذ شهرين، فيما انخفضت العقود الأميركية الآجلة للذهب بنسبة 0.1% إلى 3448.10 دولار.
امتد تأثير التوترات إلى المعادن النفيسة الأخرى، حيث تراجعت الفضة 0.1% إلى 36.28 دولارًا للأونصة، بينما ارتفع البلاتين 0.4% إلى 1233.12 دولار، والبلاديوم 1.4% إلى 1041.85 دولار.
التضخم يزحف… في إسرائيل وإيران
في إسرائيل، توقع بنك هبوعليم أن يصل معدل التضخم السنوي إلى 2.5%، مدفوعًا بارتفاع أسعار الطاقة، وضعف الشيكل، وتزايد تكلفة الواردات. أما في إيران، فالوضع أكثر خطورة، حيث يُقدّر معدل التضخم بأكثر من 45% سنويًا، ما يضغط بشدة على القدرة الشرائية للمواطنين ويهدد الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.
اضطرابات الأسواق وتذبذب العملات وسط ضغوط الحرب
شهدت الأسواق الإسرائيلية تقلبات حادة في العملات، حيث ضعف الشيكل أمام الدولار في الأيام الأولى من المواجهة، متراجعًا من 3.50 إلى 3.61 شيكل للدولار بين 11 و13 حزيران، لكنه سجل ارتدادًا قويًا بنسبة 1.9% في أول جلسة تداول بعد عطلة نهاية الأسبوع، يوم الاثنين 16 حزيران، ليبلغ 3.55 شيكل للدولار. وقد عكس هذا التعافي المؤقت تدخلات مصرف إسرائيل وربما مراهنات المستثمرين على تهدئة مؤقتة أو تصحيح في السوق.
في المقابل، ارتفع الدولار الأميركي بنسبة 0.7% خلال تعاملات الأسبوع، بدفع من الطلب العالمي على الملاذات الآمنة في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية.
أما الريال الإيراني، فواصل تراجعه أمام الدولار، حيث بلغ السعر الرسمي حوالي 600,000 ريال للدولار الواحد، مع تداول السوق الموازية عند مستويات أقل بكثير، ما يعكس عمق الأزمة الاقتصادية في إيران وسط العقوبات والتصعيد العسكري.
الدولار والاقتصاد العالمي تحت ضغط التصعيد العسكري
في خضم تصاعد الصراع العسكري بين إسرائيل وإيران، يبرز الدولار الأميركي كملاذ آمن عالميًا، حيث ارتفع مؤشر الدولار (DXY) بأكثر من 0.7%، معبرًا عن هروب المستثمرين من الأصول ذات المخاطر العالية إلى السيولة النقدية المضمونة. هذا الارتفاع يعكس تصاعد المخاوف الجيوسياسية التي تضغط على الأسواق المالية وتعيد تشكيل تدفقات رؤوس الأموال.
وتتجاوز انعكاسات هذه الأزمة الحدود الإقليمية لتطال الاقتصاد العالمي عبر عدة قنوات:
• ارتفاع أسعار الطاقة بعد المخاوف من إغلاق مضيق هرمز، ما يزيد من تكاليف الإنتاج والنقل عالميًا ويعزز الضغوط التضخمية.
• تقلبات حادة في الأسواق المالية مع ارتفاع “علاوة المخاطرة”، ما يقلص شهية المخاطرة، خاصة في الأسواق الناشئة التي تعاني من تدفقات خارجية وإضعاف عملاتها الوطنية مقابل الدولار.
• تفاقم اضطرابات سلاسل التوريد العالمية بسبب تعطل ناقلات النفط وارتفاع تكاليف الشحن، مما يؤثر سلبًا على الإنتاج العالمي والتجارة الدولية.
في المجمل، يعيد التصعيد العسكري في الشرق الأوسط توزيع المخاطر الجيوسياسية على الاقتصاد العالمي، مما يعزز مكانة الدولار كعملة احتياط، في وقت تعاني فيه الأسواق العالمية تحديات مركبة. ويتطلب هذا الوضع من صانعي السياسات النقدية والمالية تحقيق توازن دقيق بين مكافحة التضخم والحفاظ على استقرار الأسواق.
إذن، يرسم التصعيد العسكري بين إسرائيل وإيران مشهدًا جيوسياسيًا مضطربًا، يحمل تداعيات مالية عميقة من ضعف العملات، وتفاقم العجز، إلى تضخم مفرط وأسواق تتأرجح بين الخوف والتكهن. وبينما يرتفع الدولار كملاذ آمن، يغرق الشيكل والريال في دوامة فقدان الثقة، مما يستدعي تحركًا دبلوماسيًا سريعًا وإدارة مالية صارمة قبل أن تتحول الأزمة العسكرية إلى كارثة اقتصادية إقليمية شاملة.